آراء

عن تجربة ومعرفة بهذا المرض أكتب…

السرطان مرض خطير، نعم، لكنه ليس حكمًا بالموت كما اعتاد كثيرون أن ينظروا إليه. خطورته الحقيقية تكمن في التأخر في تشخيصه وعلاجه، وفي طريقة تعامل المجتمع والمنظومة الصحية معه.

هو مرض مؤلم، ليس على المستوى الجسدي فقط، بل على المستوى النفسي والمعنوي أيضًا. ومرضاه ليسوا جميعًا في المرحلة نفسها؛ فهناك حالات قابلة للعلاج والشفاء، وحالات يمكن السيطرة على انتشار المرض فيها، وحالات يكون فيها العلاج تلطيفيًا لتخفيف الألم وتحسين جودة الحياة. وبين كل هذه المراحل يبقى العامل الأهم هو سرعة التشخيص، وجودة الرعاية، والمتابعة المستمرة.

من غير المنطقي أن نتوقع الحد من انتشار السرطان في مجتمع لا يزال يخاف من مجرد ذكر اسمه، ويتعامل مع المصاب به وكأنه ينتظر الموت في أي لحظة. بينما نجد دولًا أخرى تبني سياساتها الصحية على الإحصاءات الدقيقة، والتشخيص المبكر، والسجلات الطبية المنظمة، والأبحاث، وتطوير وسائل العلاج.

نحن نفتقر أولًا إلى تقبل المرض، وثانيًا إلى ثقافة التعايش معه. فما زال كثيرون يرونه “مرض الموت”، مع أن الموت ليس حكرًا على مريض السرطان، ولا يوجد إنسان يملك ضمانًا للبقاء أكثر من غيره.
هذا المرض يحتاج إلى الوعي، والاهتمام، والرعاية الخاصة، والدعم النفسي، ولا يحتاج إلى صور مؤلمة أو قصص حزينة تُستغل لاستدرار التعاطف، فتزيد من شعور المريض بالعجز واليأس.

ما يؤلم حقًا هو غياب التنظيم. أين الطبيب المختص الذي يمتلك قاعدة بيانات لمرضاه،يعرف تاريخ كل مريض، وخطته العلاجية، ومواعيد جلساته، وما تحقق من نتائج، وما المتوقع لاحقًا؟ أين السجلات الطبية الدقيقة؟ وأين الإحصاءات التي تبين أعداد المتعافين، وأعداد من فقدناهم أثناء رحلة العلاج، وأسباب ذلك؟

هل يعرف المركز الصحي من حضر جلسات العلاج الكيماوي ومن تغيب؟ وهل يعرف سبب الغياب؟ هل كان بسبب عدم القدرة المادية؟ أم بسبب تدهور الحالة؟ أم لأن المريض فارق الحياة نتيجة تأخر العلاج أو ضعف الإمكانات أو سوء المتابعة؟
للأسف، لا تزال هذه الجوانب غائبة في كثير من مؤسساتنا الصحية، وهذا الغياب أفقد الناس الثقة والطمأنينة، سواء في الكشف المبكر أو العلاج أو حتى في فرص الشفاء.

أين موريتانيا اليوم من الفهم الحقيقي لمرض السرطان؟ أين هي من الوقاية، والتشخيص المبكر، والبحث في أسبابه، ووضع الخطط الوطنية لمحاربته؟

ما زال الطريق طويلًا، وما زال هذا المرض لا يحظى بما يستحقه من اهتمام في هذا البلد فالسرطان ليس كأي مرض، ومحاربته لا تكون بالأدوية وحدها، بل بمنظومة صحية متكاملة، تعتمد على العلم، والتنظيم، والمتابعة، والإنسانية.
السرطان لا ينتظر، وخلاياه تنتشر بسرعة، ولذلك فإن كل يوم تأخير قد يصنع فرقًا بين الشفاء وفقدان الأمل. ولهذا فإن إصلاح واقع التعامل مع هذا المرض وهذا القطاع لم يعد خيارًا، بل ضرورة لإنقاذ الأرواح.

من صفحة Meyli Mint Elghaoth

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى