قصص وحكايات
تزوجت وأنا في السنة الأخيرة من دراستي الجامعية، أي حين كنت في الحادية والعشرين من عمري، وهذا زواج في سن مبكرة نسبياً، وأنا أشعر أن الله تعالى أنعم عليّ وكرمني بهذا الزواج، فقد وجدت فيه الشريك الذي يكملني، ووجدت في أسرتي السكينة والطمأنينة والراحة والسعادة، فلله الحمد والمنة، و عميق الشكر لزوجتي أولاً ثم لأولادي وبناتي وأسرهم ثانياً.
ولا أريد أن أفيض في هذا الموضوع؛ فأنا لا أتحدث في هذا المنشور عن حياة شخصية، وإنما عن ندى من تجربة خاصة، و عن معانٍ عميقة من التجربة الإنسانية الكلية، أي أنني أتحدث عما هو مشترك بين الناس جميعاً في رحلتهم الطويلة في الحياة.
دخلت تجربة الحياة العائلية أنا وزوجتي دون أي تدريب خاص، وهذا فرض عليّ وعلى زوجتي أن نجتهد في أمور كثيرة دون أساس عميق من المعرفة المطلوبة لحياة أسرية ناجحة وسعيدة.
كنت أظن في البداية أن (العدل) كاف لقيام علاقات زوجية، وأسرية متماسكة، ثم اكتشفت أن العدل يوفر الحد الأدنى من السعادة، والتفاهم بين الزوجين، لكن الإحسان هو الذي يولّد داخل الأسرة المودة والاغتباط، والشعور بالفوز بشريك جيد. الإحسان والتضحية، والعطاء الذي لا ينتظر المكافأة.
هذه المعاني هي ما نفهمه من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” (1)
والأهل هنا هم الزوجة والأبوان والأولاد، وجميع من يعيش في كنف الرجل من إخوة صغار… وحين سئلت عائشة رضي الله عنها عما كان يصنعه صلى الله عليه وسلم في بيته قالت: “كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة”.
على الصعيد النفسي نلاحظ أن العلاقة التي تقوم على الحساب والترقب (ماذا أخذت؟، وماذا أعطيت؟) هي علاقة قلقة مشوبة بالتوتر، وحين يتحول العطاء إلى شيء ثابت تهدأ النفس، وتشعر بالتأنق بسبب الشعور بالنبل، وإبعاد معنى الخسارة عن الحياة العائلية والزوجية.
علاقات السوق قائمة على التبادل، والموازنة بين ما نملك وبين ما ندفع على حين أن العلاقة داخل الأسرة تقوم على التنافس في السخاء حيث الفوز لمن يعطي أكثر. وأود هنا أن أختم بقوله صل الله عليه وسلم: ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك”.
فالذي يوسع على عياله في النفقة رابح وفائز بالأجر إذا احتسب ذلك عند الله تعالى. إن الشح في الإنفاق على الأسرة هو أخطر فيروس مدمر لهنائها وطمأنينتها، ولذلك كان السخاء في الإنفاق عليها من أحسن وجوه الصدقة.
د. عبد الكريم بكار



