ميزان القدوة الحق .. لا المتابعون!
قد يكون المرء مستقلاً ماديًا، ناجحًا في تجارته أو مشاريعه، بارعًا في الحديث، متقنًا لصناعة المحتوى، فيظن كثير من الناس أن هذا النجاح دليلٌ على كمال عقله، وصواب أفكاره، وأنه مؤهلٌ لأن يتصدر لتوجيه الناس في كل شأن..
لكن النجاح في التجارة، أو الشهرة في الإعلام، أو الفصاحة في الخطاب، ليست دليلًا كافيا لأنها لا تغني عن العلم الشرعي والبصيرة، فكم من ناجح في دنياه، وهو مخطئ في كثير من أفكاره، وكم من مشهور يتبعه الآلاف، وهو أحوج الناس إلى من يرشده..
الشهرة لا تجعل الباطل حقًا، وكثرة المعجبين لا تجعل المعصية فضيلة، وتصفيق الناس لا يغني عن سؤال الله يوم القيامة.
إن أخطر ما يصيب المثقف أن يظن أن كثرة قراءته تجعله أهدى، وأن عقله قادر على إعادة صياغة الحلال والحرام بما يوافق عصره و هواه!
لنحذر من الثقافة التي تنفصل عن الهداية، فالعقل السليم لا يعارض الوحي الصحيح، و لنعلم أن الخلل يبدأ عندما يصبح الإنسان مفتونًا بفكره، فيجعل النصوص تابعة لرأيه، بدل أن يكون رأيه تابعًا للنصوص الشرعية.
لا أحد يذم الثقافة، ولا العلم، ولا قوة الشخصية، ولا النجاح.
بل إن الإسلام رفع شأن العلم، وجعل العلماء من أشرف الناس..
لكن… متى تحولت الثقافة إلى وسيلة للتمرد على شرع الله؟
وكيف انقلبت الموازين حتى أصبح الالتزام بشرع الله مدعاةً للخجل، وأصبحت مخالفته عنوانًا للتحضّر؟
الحقيقة التي لا تتغير هي أن الإنسان مهما بلغ علمه، يبقى علمه ناقصًا، أما حكم الله فهو الكامل.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
والإسلام لا يجعل ميزان القدوة كثرة المال، ولا جمال الأسلوب ، ولا كثرة المتابعين، وإنما يجعل الميزان الأول هو الاستقامة على أمر الله..كم من إنسان نجح في الدنيا، وهو عند الله من الخاسرين، وكم من فرد علت مكانته عند الله وهو لا يملك من زخارف الدنيا شيئًا.
والمؤلم أن بعض المشهورين في هذا الفضاء لا يكتفي بالوقوع في المعصية، بل يجاهر بها، ويقدمها في صورة التحضر والانفتاح والثقة بالنفس، فيتأثر به الشباب و الفتيات شيئا فشيئا، حتى يصبح المنكر مألوفا، والطاعة غريبة.
ومن أعظم صور الخلل أن ترى تحت منشور أحدهم أو إحداهن من يكتب:
“بارك الله فيك.” أو: “زادك الله توفيقا.”
وكأن البركة تنال بمعصية الله!
إن الدعاء بالبركة لمن يجاهر بالمخالفة، أو الثناء عليه دون إنكار، يهون أمر الذنب في قلوب الناس، ويجعل الأجيال تظن أن الالتزام بشرع الله أمر ثانوي، وأن النجاح الدنيوي يغطي كل تقصير.
إن أعظم المثقفين ليس من يملك أكثر المعلومات، وإنما من عرف قدر نفسه أمام كلام ربه، فقال كما قال المؤمنون:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
فهذه الكلمة رفعت أقوامًا،
بينما أسقطت كلمة “ولكني أرى…” أممًا قدمت الهوى على الوحي.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾..
زينب سيد محمد
مدونة اجتماعية



