آراء

وترجل آخر العقلاء

حين توفي لمرابط محمد الأمين ولد البشير الغلاوي رحمه الله، تقدم الإمام الأكبر بداه بن البوصيري، برد الله مضجعه، للصلاة عليه، فلما وقف عند نعشه، وضع يده على جبينه، وقال كلمة بقيت أبلغ من كثير من المراثي:
«هذا آخر العقلاء».

العقلاء الذين أبصروا حقيقة الدنيا فلم تغرهم، وعرفوا قدر العلم فلم يستبدلوا به جاها ولا مالا، ومضوا في حياتهم متخففين من أثقالها.

واليوم يغادرنا عالم آخر من آخر العقلاء؛ العلامة المجدد الشيخ محمد الحسن أحمد الخديم، إمام وشيخ محظرة التيسير، رحمه الله رحمة واسعة.
يغادرنا رجل عاش للعلم، وعاش به، وترك وراءه محظرة وعلما وتلاميذ وكتبا، وأثرا لا ينتهي برحيل صاحبه.

بدأ الشيخ رحلته العلمية في سن مبكرة، فدرس على ذويه القرآن والعربية والنحو والفقه، و كان من أبرز شيوخه العلامة محمد سالم ولد ألما، الذي أجازه إجازة عامة في مسموعاته ومروياته، إلى جانب علماء آخرين أخذ عنهم في رحلة طويلة من التحصيل والتلقي.

وفي التصوف رعى من العرفان رياضا طيبة المرعى، فقد أسام الروح في مغاني أبي إسحاق الشيخ إبراهيم انياس:
رعيتَ أبا إسحاقَ والبيتِ والمسعى :: رياضًا من العرفان طيبة المرعى
ومن كان منصوبا لخير خلافة :: بفتح وذاك الفتح أكسبه رفعا
فحسب الثريا أن تداني علوه :: ويكفي الحُميّا أن تحاكيه طبعا
يعاطي مريديه من الذكر أكؤسا :: إذا هينموا فيها تراهم لها صرعى

أسس محظرة التيسير في منطقة انكيكم، شمال تكند، قبل أن تستقر في القرية المعروفة باسم التيسير سنة 1974، فكانت منارة هدي وعلم وتربية
وقد وفد إليها الطلاب من مختلف مناطق موريتانيا، ثم اتسعت دائرتها لتستقبل طلابا من غرب إفريقيا والمغرب العربي وبلدان عربية وآسيوية.
وعاد بعض أولئك الطلاب إلى بلدانهم أئمة ومدرسين وعلماء، واتجه آخرون إلى القضاء والتعليم العالي والإرشاد الديني.

وله رحمه الله تعالى مؤلفات عديدة في علوم القرآن والحديث، والأصول، والفقه، واللغة، والتزكية، من أبرزها: «سقاية الظمآن» في آداب تلاوة القرآن، و«مرام المجتدي» في شرح كفاف المبتدي، و«دليل الناسك» في المناسك، و«هداية السعادة» في النحو، و«نخبة المطلوب» في شرح مطهرة القلوب، و«اللآلئ الحسان» على محارم اللسان، وغيرها من المصنفات التي تشهد بسعة علمه وتنوع اهتماماته.

رحم الله بقية السلف الصالح، ممن حملوا ميراث النبوة في زمن تتكاثر فيه مشاغل الدنيا ويقل فيه الزاهدون فيها.
رحم الله قطب التصوف والاعتدال والزهد، وأسكنه فسيح جناته، وألحقه بالصالحين الذين لم تغرهم الدنيا، ولم يبيعوا الآخرة بعاجلها.
رحم الله العلامة الشيخ محمد الحسن أحمد الخديم، رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وبارك في تلاميذه ومحظرته وآثاره.

سيد محمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى