آراء

متى نُزوّج أبناءنا حتى لا نظلمهم؟

ليس السؤال: في أي عمر نُزوّج أبناءنا؟ وإنما السؤال الأهم: متى يصبح الابن أو الابنة قادرًا على حمل مسؤولية الزواج دون أن يتحول الزواج إلى عبء عليهما؟

فالزواج ليس مجرد بلوغ سن معينة، وإنما يحتاج إلى قدر من النضج النفسي، والقدرة على تحمل المسؤولية، وحسن الاختيار، والاستعداد للتعامل مع الخلافات، مع وجود قدرة واقعية على القيام بالحقوق والواجبات.

وقد يظلم الأهل أبناءهم حين يدفعونهم إلى الزواج لمجرد أن «الوقت مناسب» في نظر المجتمع، أو خوفًا من كلام الناس، بينما الابن أو الابنة غير مستعد لتحمل تبعاته.

لكن في المقابل، هناك حالة أخرى تستحق الانتباه. فقد يلاحظ الوالدان على الشاب ضعفًا في ضبط شهوته، أو انشغالًا زائدًا بملاحقة الجنس الآخر، فيقولان: «الأفضل أن نزوّجه حتى يستقيم.»

وهذا التفكير ليس بلا أساس؛ فالزواج من أعظم أسباب العفاف لمن كان قادرًا عليه، وقد قال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج».

لكن الزواج ليس علاجًا سحريًا لسوء الخلق أو ضعف المسؤولية. فإذا كان الشاب لا يضبط نفسه، أو يسيء إلى النساء، أو لا يتحمل المسؤولية، أو يفتقر إلى الحد الأدنى من النضج، فقد لا يحل الزواج المشكلة، بل قد ينقلها إلى زوجة لا ذنب لها.

ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل نخشى على أخلاقه إذا لم يتزوج؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: هل أصبح قادرًا على أن يكون زوجًا صالحًا؟

فالزواج قد يكون معينًا على العفاف والاستقامة، لكنه لا يغني عن التربية، ولا عن إصلاح السلوك، ولا عن تعليم الشاب معنى المسؤولية. ولا يصح أن نجعل فتاةً أخرى تتحمل نتائج أخطاء شاب لم نُحسن إعداده للحياة الزوجية.

وفي المقابل، إذا كان الشاب راغبًا في الزواج، وقادرًا على تحمل تبعاته، وكان الزواج معينًا له على العفاف، فلا ينبغي للأهل أن يؤخروه بلا سبب معتبر، بحجة انتظار ظروف مثالية؛ فالكمال ليس شرطًا للزواج، وإنما المطلوب قدر مناسب من النضج والقدرة والاستعداد.

والأمر نفسه ينطبق على الفتاة؛ فلا ينبغي أن يتحول الزواج إلى استجابة لضغط المجتمع، ولا إلى حل سريع لمشكلة أسرية، وإنما ينبغي أن يكون اختيارًا واعيًا لشريك يمكن معه بناء حياة قائمة على المودة والرحمة والمسؤولية.

نحن لا نريد أن نزوّج أبناءنا لمجرد الخوف عليهم، ولا أن نؤخر زواجهم حتى يفسدوا؛ وإنما نريد أن نساعدهم على الوصول إلى الزواج في الوقت الذي يكون فيه الزواج عونًا على الاستقامة، لا بابًا جديدًا للظلم.

فالزواج مسؤولية قبل أن يكون رغبة، واستعداد قبل أن يكون عمرًا، وحسن اختيار قبل أن يكون مجرد هروب من مشكلة.

د. عبد الكريم بكار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى