…. ويبدو أن بعض الفقهاء نظر إلى الشعر النسائي نظرة جنوسية، كتلك التي اعتمدها الأصمعي في تصنيفه للشعراء الفحول .
فقد رُوي أن امرأة تدعى مريم بنت رجالٌ “كانت شاعرة وأديبة، أرسلت قصيدة تمدح بها بابا ابن الشيخ سيديا (ت 1342هـ -1923م)، وحين قرأها أعجبته القصيدة، فقال : من هذه المرأة التي تقول شعرا كهذا ؟ فقيل له : إنها تدعى مريم بنت رجالٌ ، فرد بابا ابن الشيخ سيديا : هذا صحيح، فقائلة هذه الأبيات لا يمكن أن تكون بنت رجل واحد”.
وبغض النظر عن الطرافة التي تكاد تطغي على عمق ودلالة تعليق (الشيخ بابا)، يمكن أن نقرأ كيف استحضر، مقياس (الفحولة) الذي كانت العرب تمنحه لقبا للشاعر، عندما يبين عن ذكورة معنوية في شعره، ولأن التراث العربي قصر لقب (فحل) على الرجال فقط، فإن (بابا) استعاض عنه هنا، بأن ألبس إبداع المرأة لبوسا ذكوريا، مستمدا من عدة رجال، وقد استفاد من اسمها ليصوغ منه توريته الطريفة .
وغير بعيد من هذا الموقف نجد الشيخ سيديا الكبير – حسب الوسيط – ينطلق من خلفية دينية، تجعله يحرم قرض الشعر على النساء، فقد رد على الشاعرة مريم بنت بلا الحسنية عندما مدحته بقصيدة بعثتها إليه – وكانت مريم هذه شاعرة “نبغت في الشعر واشتهرت به” – قائلا : “المرأة كلها عورة”.
لكن صاحب كتاب (الشقرويات) يؤكد أن (الوسيط) أخطأ في نسب هذه الشاعرة، فهي ليست بنت بلا المذكور، كما أن الشيخ سيديا لم يكن يريد الطعن في شاعريتها، ولا تحريم قرض الشعر على النساء، بما نسب إليه.
ومهما يكن فإن النظرة السلبية لشعر المرأة تراجعت خلال العقود اللاحقة، خاصة أن عالمات وفقيهات كثيرات أظهرن شاعريتهن وبدأن يقرضن الشعر في العلن، ويشاركن في المساجلات والمنافحات، التي كانت تجري بين المدارس والمحاظر العلمية ، مثل المشاعرة التي جرت بين الشاعرة أم الفضل بنت الهاشم العلوية (ت 1351 هـ) وسيدي محمد بن سيدي عبدُ الله، حيث خاطبته قائلة :
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت == علينا الليالي لم يدعنا حياؤها
وسرنا نلاقي النائبات بأوجه == رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
فأجابها بأبيات منها قوله :
فصبرا جميلا لا يعد جزاؤه == سيبري النفوس الصابرين جزاؤها
بأحسن ما للملوك من الغنى == ودار الغنى حقا يزول غناؤها
وهذه الأبيات منسوبة في أكثر من مصدر للأبيوردي وربما أوردتهما الشاعرة ام الفضل على سبيل الاستشهاد، ووصف الحال…
و منهن من شهرت حسام الدفاع عن القبيلة والعشيرة، ودخلت في مناقضات مع شعراء مشهورين، مثل تصدّي الشاعرة مريم بن الأمين الحاج الشقروية الحسنية السالف ذكرها للشاعر المشهور الأحنف المجلسي في مناقضات معروفة.
من كتابنا : الشعر والفقه – ص 181
من صفحة: د. الشيخ معاذ سيدي عبد الله



