الكفاءة من المنظور الفقهي
من المنظور الفقهي يتبين أن اعتبار الكفاءة في المذهب المالكي لم يُشرَع لتكريس فوارق طبقية، ولا لتقديس أوهام الجاه والنسب والمال، وإنما جُعل أداةً مصلحية راشدة، غايتها تحقيق التجانس بين الزوجين، وترسيخ دعائم الألفة، ودرء أسباب الشقاق، وصيانة مصالح بعض النساء – كاليتيمات ونحوهن – ممن قد يُغبن حقهن أو يُستضعفن في الاختيار.
وعليه، فإن الميزان الحاكم في الكفاءة من الناحية الشرعية ليس ما تعارف عليه الناس من مقاييس زائفة، بل الاستقامة والخلق، وهما وحدهما المعيار الشرعي الذي اعتبره الوحي نصًّا ومقصدًا، كما قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل تأكيدًا لا لبس فيه بقوله:
«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».
ومن ثمّ، فإن ما ورد في كلام الفقهاء من أوصاف ك<الدناءة> ونحوهما إنما هو باعتبار الأعراف الاجتماعية السائدة، لا باعتبار الحقيقة الشرعية؛ إذ إن العمل في ذاته ليس نقصًا ولا مذمة، بل هو شرف وكرامة، وقد قرر الإسلام ذلك بوضوح في قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده».
وبهذا يظهر جليًّا أن الكفاءة في الميزان الفقهي قيمة أخلاقية ومقصدٌ اجتماعي، لا قيدًا شرعيًا مُلزِمًا، ولا وسيلة لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية أو ترسيخ الامتيازات الوهمية، بل هي خادمة لمقاصد العدل والاستقرار الزوجي وحسن العشرة، حيثما تحققت استقامة الدين وصدق الخلق.
والله أعلم
من صفحة الشيخ محمد



