من أجلِّ عطايا رمضان، وأعظم غنائمه، غنيمةُ التقوى؛ تلك الغاية التي من أجلها شُرع الصيام، فقال الحق سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وما أحسن أن يقف المرء في هذا الموسم العظيم وقفة صدقٍ مع نفسه، يتأمل مواطن ضعفه، ويشخّص علله، ثم يعقد العزم على مداواتها في شهر انتصار الروح على الجسد، والعقل على الهوى، والإيمان على الشهوة؛ فيُقيم سلوكه على أساس من تقوى الله وطلب رضوانه. فذلك هو الرابح حقًا، الذي يخرج من رمضان وقد قهر نفسه وشيطانه، وبدّل عاداته، وأحدث في مساره تغييرًا مباركًا.
أما من انقضى رمضان وهو كما دخله: لم تزده أيامه خشيةً، ولا لياليه قربًا، ولا صيامه ضبطًا لجوارحه، ولا قيامه حياةً لقلبه؛ فلم يغض بصره، ولم يحفظ لسانه، ولم يُسارع إلى الصلاة، ولم يُطرد الغفلة، ولم تُلين القسوة قلبه، ولم ترفعه التقوى عن رذيلة، فقد خسر رمضان خسرانًا مبينًا، والعياذ بالله، وأضاع التزوّد من خير زاد، قال تعالى:
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
ولقد عظّم الله شأن التقوى، فجعلها ميزان الكرامة، ومعيار المنزلة، بها يرفع من يشاء ويخفض، ويقرّب ويبعد، ويكرم ويهين، ويرضى ويغضب. قال جلّ في علاه:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾،
ثم قطع طريق الادّعاء والتزييف بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، وقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.
فمن أراد أن يعرف منزلته عند الله، ودرجته عند رفيع الدرجات، فلينظر في تقواه؛ فبقدر ما في قلبه من تقوى، يكون نصيبه من القرب والرفعة. فإما أن يرفعها بطاعة الله، أو يضعها بالغفلة والمعصية.
فلنُكثر من دعاء النبي ﷺ:
«اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها، أنت وليُّها ومولاها».
ولنجاهد نفوسنا حق الجهاد؛ فإن الهداية على قدر المجاهدة، كما قال ابن القيم رحمه الله، وهو المعنى الجليّ في قول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
الكاتبة: صفية عبد الله



