آراء

الذوق فنُّ احترام الناس

قد يخسر الإنسان قلوب الناس… لا لقلة علمه، ولا لضعف أخلاقه، بل لأنه يفتقد شيئًا صغيرًا اسمه: الذوق الاجتماعي.

الذوق الاجتماعي هو القدرة على التصرف مع الآخرين بطريقة تراعي مشاعرهم، وتحترم الأعراف الحسنة، وتختار السلوك والكلمة المناسبين للمقام. فهو ليس مجرد لباقة شكلية، بل هو نوع من الذكاء الأخلاقي والاجتماعي الذي يجعل الإنسان محبوبًا، ويترك أثرًا حسنًا أينما حلّ.

 

ولعل هذا المعنى يظهر في تفاصيل الحياة اليومية أكثر مما يظهر في المواقف الكبيرة. فحين ينشغل أحدهم بهاتفه أثناء حديث صديقه، أو يقاطع المتحدث قبل أن يتم فكرته، أو يرفع صوته في مكان عام غير ملتفت إلى راحة من حوله، أو يتجاوز الناس في طابورٍ لأنه مستعجل، فإنه قد لا يقصد الإساءة، لكنه يكشف عن نقصٍ في الذوق الاجتماعي أكثر من كونه نقصًا في الأخلاق.

 

وكذلك من يكثر المزاح مع من لا تسمح طبيعة العلاقة بذلك، ثم يعتذر بقوله: “كنت أمزح فقط.” أو من يتوقع من الآخرين أن يجيبوا رسائله في اللحظة نفسها، دون أن يقدّر أن لكل إنسان ظروفه وانشغالاته. فهذه التصرفات تبدو صغيرة، لكنها تترك في النفوس أثرًا لا يُستهان به.

 

ولهذا يشمل الذوق الاجتماعي أمورًا كثيرة، منها: اختيار الألفاظ المهذبة، ومعرفة متى يتكلم الإنسان ومتى يصمت، واحترام خصوصيات الناس، ومراعاة مشاعرهم في الفرح والحزن والاختلاف، والالتزام بالمواعيد، والشكر والاعتذار عند الحاجة، وحسن الاستماع، ومراعاة اختلاف الأعمار والثقافات والمقامات.

 

ومن الناحية الفلسفية، يمكن القول إن الذوق الاجتماعي هو الترجمة العملية لاحترام كرامة الإنسان. فصاحبه لا ينظر إلى الآخرين بوصفهم أدوات أو منافسين، بل بشرًا لهم مشاعر، وحقوق، واستحقاق للتقدير. ولذلك فهو لا يسأل: ماذا يحق لي أن أفعل؟ بل يسأل قبل ذلك: كيف سيقع هذا الفعل في نفس غيري؟

وليس من المبالغة القول إن كثيرًا من العلاقات لا تفسد بسبب الخلافات الكبيرة، وإنما بسبب تراكم التصرفات الصغيرة التي افتقدت الذوق، حتى أثقلت القلوب وأضعفت الألفة.

 

وفي التراث الإسلامي، يدخل الذوق الاجتماعي في باب حسن الخلق والأدب. وقد قال النبي ﷺ: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»، وقال أيضًا: «تبسمك في وجه أخيك صدقة». فهذه التوجيهات تؤكد أن رقي التعامل مع الناس ليس أمرًا ثانويًا، بل هو جزء من كمال الإيمان وجمال الشخصية.

 

إن المجتمع لا يقوم على القوانين وحدها، بل يقوم أيضًا على ذوقٍ يجعل الناس يراعون بعضهم بعضًا حتى فيما لا تُلزِم به القوانين. فإذا ارتفع الذوق الاجتماعي، قلّت الخصومات، وخفّت القسوة، واتسعت مساحة المودة بين الناس.

وباختصار، فإن الذوق الاجتماعي ليس فنَّ إرضاء الناس، وإنما فنُّ احترامهم، والتعامل معهم بما يحفظ كرامتهم، ويعكس نبل أخلاق صاحبه.

د. عبد الكريم بكار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى