آراء

بين من يضع علامة (✖️) ومن يحمل الفرشاة ليصلح… مسافةٌ تصنع الحضارات.

تُروى قصةٌ عن رسام أمضى أسابيع طويلة أمام لوحته. وحين انتهى منها، حملها إلى أحد الميادين العامة، ووضع بجانبها لافتة كتب عليها:
“إذا رأيتَ خطأً في هذه اللوحة، فضع علامة (✖️) على موضع الخطأ”
ثم مضى.

وفي المساء عاد، فإذا باللوحة تكاد تختفي تحت كثرة العلامات. لم يكن فيها ركنٌ إلا وقد وُصف بأنه ناقص، ولا لونٌ إلا ووجد من يعترض عليه، ولا تفصيلٌ إلا ووجد من يرى أنه كان يمكن أن يكون أفضل.

عاد إلى بيته مثقلاً، يكاد يفقد ثقته بموهبته، وظن أن سنوات التعلم الطويلة قد انهارت في يومٍ واحد.
وحين قصّ الأمر على صديقٍ حكيم، قال له:
“غداً سنعيد التجربة، لكننا سنغيّر السؤال”

وفي اليوم التالي، عُلّقت اللوحة نفسها، في المكان نفسه، لكن اللافتة أصبحت تقول:
“إذا رأيتَ خطأً في هذه اللوحة، فالفرشاة والألوان أمامك… تفضل بتصحيحه”
ومضى الرسام مرة أخرى.

وعندما عاد عند الغروب، وجد اللوحة كما تركها تماماً.
لم يُضف أحد لوناً.
ولم يُعدّل أحد خطاً.
ولم يحاول أحد إصلاح ما كان يعتقد بالأمس أنه خطأ.
ابتسم الصديق وقال:
“لقد رأيت اليوم الفرق بين أمرين يختلطان على كثير من الناس: بين القدرة على اكتشاف النقص، والقدرة على صناعة الكمال”

هذه القصة تكشف جانباً من طبيعة الإنسان.
فالعقل بطبيعته يلتقط الخلل أسرع مما يلتقط الجمال، وإصدار الأحكام لا يحتاج إلى خبرة كبيرة، ولا إلى مسؤولية، ولا إلى تضحية. أما الإصلاح، فيحتاج إلى معرفة، وصبر، وشجاعة، واستعداد لتحمل نتائج ما تصنعه.
ولهذا تجد أن عدد الذين يستطيعون وصف المشكلة يفوق بكثير عدد الذين يستطيعون تقديم حل لها.
وليس لأن الحلول مستحيلة…
بل لأن الوقوف خارج الميدان أسهل دائماً من النزول إليه.
وهكذا هي الحياة.

كل مشروع ناجح، وكل مؤسسة، وكل مبادرة، وكل كتاب، وكل تجربة تربية، وكل قرار قيادي… سيجد من ينتقده.
وهذا أمر طبيعي.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس:
“كم شخصاً انتقدني؟”
بل:
“كم واحداً منهم كان مستعداً أن يتحمل مسؤولية ما ينتقده، وأن يقدم بديلاً أفضل؟”
ليس المقصود أن نغلق آذاننا عن النقد؛ فالنقد الصادق نعمة، وقد يكون سبباً في مراجعة النفس وتصحيح المسار.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين نقدٍ يريد أن يبني، ونقدٍ يكتفي بأن يثبت لصاحبه أنه أذكى من الآخرين.
الأول هدية، ولو كان قاسياً.
أما الثاني، فغالباً لا يترك وراءه إلا الإحباط.

ولهذا، لا تجعل قيمة عملك تُقاس بعدد الأصوات التي تعترض عليه، بل بمقدار الخير الذي يصنعه، وبما تتعلمه منه، وبقدرتك على تحسينه يوماً بعد يوم.
فالذين يغيّرون العالم لم يكونوا أكثر الناس تجنباً للخطأ…
بل كانوا أكثرهم استعداداً لأن يعملوا، ويتعلموا، ويصححوا، ثم يواصلوا الطريق.
وتذكّر دائماً: بين من يضع علامة (✖️) على لوحة، ومن يحمل الفرشاة ليصلحها… مسافةٌ تصنع الحضارات.

د. عبد الكريم بكار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى