كانت تجلس بجوار والدتها في أحد أَسِرّة المستشفى، تراقب وجهها الشاحب وهي تحاول أن تخفي ألمها حتى لا تزيد خوفها..
أمها مطلقة منذ سنوات، و الأب غائب عن المشهد، والإخوة والأعمام والأخوال… لكل واحد منهم عذر، أو انشغال، أو تأجيل.
كانت الفتاة تخرج من غرفة أمها بين حين وآخر، تمسك هاتفها وتتصل:
«أبي… أمي في المستشفى.»
ثم تتصل بأحد إخوتها:
«أخي، نحن بحاجة إليك.»
ثم بعمّها:
«عمي، هل تستطيع أن تأتي؟»
ثم بخالها…
وكان الجواب يتكرر بصور مختلفة:
«إن شاء الله… سنرى… دعينا نرتب الأمر… سأحاول أن آتي.»
و مرت الساعات.
لكن أحدًا لم يأتِ.
في الجهة الأخرى، بدأ أناس لا تربطهم بالعائلة إلا المعرفة أو الجوار يتحركون.
جارٌ جاء بالطعام.
وجارة اتصلت تسأل عن حال الأم.
صديقة قديمة أرسلت ما تستطيع من المال لتخفيف مصاريف العلاج.
وأحد المعارف تكفل بإحضار الدواء.
ورجل لا تربطه بهم إلا معرفة عابرة ظل يتابع أخبارها، ويسأل:
«هل تحتاجون شيئًا؟»
كانت الفتاة تنظر إلى هؤلاء الناس في دهشة، ثم تنظر إلى هاتفها الذي امتلأ بأسماء أقارب لم يحضر أحد منهم.
وفي لحظة تعب، جلست قرب أمها، وأمسكت بيدها، وقالت بصوت خافت:
«أمي… لماذا الذين لا تربطنا بهم قرابة هم الذين يقفون معنا، والذين يفترض أن يكونوا أقرب الناس إلينا لا نراهم؟»
لم تجد الأم جوابًا.
اكتفت بأن ضغطت على يد ابنتها، وكأنها تخشى أن تقول لها الحقيقة كاملة،فقد تغيرت أشياء كثيرة في زمننا…
كان القريب قديمًا يُطرق بابه قبل باب الغريب، وكان ألم الأخت يعني إخوتها، وحاجة المطلقة تستنفر أهلها، ومرض القريبة شأنًا عائليًا لا يتركها تواجهه وحدها.
أما اليوم، فقد يحدث أن يسأل البعيد، ويحضر الجار، ويساعد الصديق، بينما يكتفي القريب برسالة: «طمئنيني عليها».
فمتى أصبح القرب مجرد صلة دم في الأوراق؟
ومتى صار الغريب أكثر شعورًا بحاجتنا من أهلنا؟
وهل نحن فعلًا مشغولون إلى هذا الحد، أم أننا أصبحنا لا نشعر بحاجات أقاربنا إلا إذا طلبوا منا صراحة؟
إن صلة الرحم تقتضي أن تعرف حاجتهم إليك قبل أن يضطروا إلى استدعائك، فتكون حاضرًا حين تضيق بهم الحياة ..
المروءة ليست أن تساعد حين تُجبر على المساعدة؛ المروءة أن ترى الحاجة قبل أن تتحول إلى استغاثة.
إن تفقد أحوال الجيران والإخوة والأخوات والأقارب لا يحتاج دائمًا إلى مال. فإن كنت تخشى كثرة المصاريف، فلا تحرمهم من حضورك ووقتك وجهدك؛ فالله يعلم صدق النية، ولا يضيع عنده معروف.
قد تكون مساعدة أختك أن توصلها بسيارتك إلى المستشفى، أو أن تقف معها ساعات في طابور طويل، أو أن تحمل عنها ملفًا، أو أن ترافقها في موعد تخشاه، أو أن تقضي عنها مشوارًا وهي مثقلة بأبنائها ومسؤولياتها.
فليس كل من احتاجك طلب مالك؛ بعضهم يحتاج فقط إلى أن يجدك.
الواقع المؤسف أن بعض الناس أصبح يحسب حضوره تكلفة، ويظن أن المساعدة لا تكون إلا بدفع المال، فيعتذر عن الوقوف مع قريبه لأنه «مشغول» أو «لا يستطيع أن يتحمل المصاريف».
بينما قد يكون ما يحتاجه منك لا يتجاوز ساعة من وقتك، ومقعدًا في سيارتك، ووقوفًا إلى جواره، وقلبًا يشعر به.
فلا تجعل خوفك من المال يحرم قريبك من سندك، ولا تجعل انشغالك ذريعة لغيابك.
قد لا تملك أن تدفع ثمن علاجه، لكنك تستطيع أن تكون بجانبه وهو يتلقى العلاج. وقد لا تملك أن تحل مشكلته كلها، لكنك تستطيع أن تخفف عنه ثقلها.
قال الله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ…﴾
[النساء: 36]
و قال صلى الله عليه و سلم:
ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَصِلْ رَحِمَه.
رواه البخاري و مسلم
زينب سيد محمد
مدونة اجتماعية



