أخطر الاختبارات اختبارات النصر والنجاح
قال الله تعالى:
﴿وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 152].
نزلت هذه الآية بعد غزوة أُحد، وهي تحمل درسًا من أعظم دروس القرآن في فهم النفس الإنسانية.
فقد أمر النبي ﷺ خمسين من الرماة أن يلزموا الجبل، وألا يغادروا مواقعهم مهما كانت نتيجة المعركة، وقال لهم: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم.»
و بدأت المعركة، وصدق الله وعده للمؤمنين، وبدأ جيش قريش يتراجع، وظهرت بشائر النصر، حتى ظن أكثر الرماة أن المهمة قد انتهت، فنزلوا من مواقعهم طمعًا في الغنيمة، رغم تذكير قائدهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه بوصية رسول الله ﷺ. ولم يبق معه إلا نفر قليل.
فاستغل خالد بن الوليد – وكان يومئذ في صفوف المشركين – خلوَّ الجبل، فالتف بفرسانه من خلف المسلمين، فتحول النصر إلى ابتلاء، واستشهد سبعون من خيرة الصحابة، وجُرح رسول الله ﷺ.
ثم جاء القرآن بكلمات قليلة، لكنها تكشف سنة من سنن الحياة:
﴿وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَا تُحِبُّونَ﴾.
تأمل هذا التعبير…
لم يقل الله تعالى: وعصيتم قبل أن يريكم ما تحبون.
بل قال: ﴿مِن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَا تُحِبُّونَ﴾.
وكأن القرآن يقرر أن أخطر الاختبارات ليست دائمًا اختبارات الفقر، أو المرض، أو الحرمان…
بل قد تكون اختبارات النجاح، والنصر، والرزق، وتحقيق الأمنيات.
فكثير من الناس يحسنون الصبر حتى يفتح الله لهم، لكن قليلًا منهم يحسنون الثبات بعد الفتح.
ولذلك لم تبدأ الهزيمة في أُحد من ضعف الإيمان، ولا من قلة العدد، وإنما بدأت عندما ظن بعض الرماة أن مرحلة الامتحان قد انتهت، بينما كانت قد بدأت في صورة أخرى.
وهذا قانون يتكرر في حياة الناس.
فكم من إنسان أصلح الله له شأنه، ثم أفسدته الغفلة.
وكم من تاجر وسّع الله عليه في الرزق، ثم أضاع بركته بالظلم أو الطمع.
وكم من طالب اقترب من النجاح، ثم تعثر لأنه ظن أن قليلًا من التهاون لن يضره.
وكم من عبد ذاق حلاوة الطاعة، ثم فتر بعدما رأى من الله ما يحب.
إن المحافظة على النعمة تحتاج إلى وعيٍ لا يقل عن الصبر قبلها، بل لعلها تحتاج إلى مجاهدة أكبر؛ لأن النفس إذا رأت ما تحب، قد يداخلها الشعور بالأمان، فتضعف مراقبتها لله.
ولهذا كان الشكر في القرآن ليس مجرد كلمة تُقال، وإنما طاعةٌ تدوم، وثباتٌ لا يتغير، واستعمالٌ للنعم فيما يرضي المنعم.
فليست العبرة أن يصل الإنسان إلى ما يحب…
وإنما أن يبقى قريبًا من الله بعدما يريه ما يحب.
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
د. عبد الكريم بكار



